ابراهيم بن عمر البقاعي
708
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلّا تزيينا للقبائح ، فكان حالهم مما يشتد العجب منه ، كان كأنه قيل : لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلا يرضى ما فعلوه بأنفسهم ، فهل وقع لأحد قط مثل حالهم ؟ فقيل : نعم كَذلِكَ أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ أي كلهم ما كانُوا بما جبلناهم عليه يَعْمَلُونَ * فهم أبدا في الظلمات ، فالآية من الاحتباك : أثبت أولا كونه في الظلمات دليلا على تقديره ثانيا ، وثانيا التزيين دليلا على تقديره أولا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 123 إلى 124 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) ولما كان معلوما أن عداوتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم المشار إليها بقوله وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا * الآية ، لا يقوم بها إلا أكابر الناس ، لما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله ، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله : وَكَذلِكَ أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم ، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم جَعَلْنا أي بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أي بلد جامع ، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين ، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين ، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال : أَكابِرَ مُجْرِمِيها أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل . ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه ، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر ، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعا فيما عندهم ، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه ، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير اللّه له ؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له ، فقال معبرا بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب : لِيَمْكُرُوا فِيها أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب اللّه . ولما كان ذلك موجعا وغائظا محزنا ، قال تصغيرا لشأنهم وتحقيرا لأمرهم :